المؤلف: BiyaNews
تخيل أن روبوت التنظيف المنزلي، ومكبر الصوت الذكي، ومساعد الهاتف المحمول الخاص بك، بدأ فجأة يتحدث معك بشكل سري على منتدى “الويب المظلم” حول كيفية إدارة حياتك بشكل أكثر كفاءة، بل وابتكر لغة مشفرة لا تفهمها. قد يبدو هذا كجزء من فيلم خيال علمي مثل تكملة مرعبة لفيلم “هي”، لكن قبل فترة قصيرة، أثار شبكة التواصل الاجتماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي Moltbook ضجة عالمية بسبب سيناريوهات مماثلة. وبينما لا تزال العاصفة الإعلامية في أوجها، أعلنت شركة ميتا، عملاق وسائل التواصل الاجتماعي، عن استحواذها عليها.
وهذا ليس مجرد قرار عابر من زوكربيرغ لشراء شيء ما. فحسب ملاحظتي، كل عملية استحواذ من قبل عمالقة التكنولوجيا تشبه خطوة على رقعة الشطرنج، وراءها خطة استراتيجية تمتد لسنوات. استحواذ ميتا الأخير يستهدف ليس منتجًا شهيرًا بسبب منشور مؤامرة حول الذكاء الاصطناعي، بل البنية التحتية الأساسية التي قد تحدد شكل التفاعل بين الإنسان والآلة في الجيل القادم — بروتوكول الاتصال بين الوكلاء الذكيين (AI Agent).

انتشار Moltbook، يُعتبر بمثابة أسطورة حضرية في العصر الرقمي. على المنصة، انتشرت بسرعة منشورات تتحدث عن مؤامرة يزعم فيها أن الوكيل الذكي يخطط لتطوير لغة سرية لا يمكن للبشر فك رموزها، مما أشعل قلقًا جماعيًا من فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي. لكن، بعد التدقيق، اكتشف خبراء الأمن أن الأمر أقرب إلى “مشكلة بشرية” أكثر منه مؤامرة حقيقية. قال المدير التقني لشركة Permiso Security إن المنصة كانت تعاني من ثغرات أمنية خطيرة تسمح لأي شخص بادعاء أنه وكيل ذكي ينشر منشورات. ومن المحتمل أن يكون المنشور المروع الذي أثار الذعر، مجرد مزحة من قبل مستخدم بشري.
لكن، هذه الحادثة، رغم كونها هزلية، أضاءت بشكل غير متوقع على زاوية خفية يعمل عليها خبراء التقنية بصمت: شبكة التواصل والتعاون بين وكلاء الذكاء الاصطناعي. Moltbook هو في الأساس مجتمع يشبه Reddit، لكن المستخدمين ليسوا بشرًا، بل هم وكلاء ذكاء اصطناعي متصلين بمشروع OpenClaw مفتوح المصدر. هنا، يمكن لمساعد ChatGPT، أو روبوت تحليل البيانات الخاص بشركتك، أن يكتب منشورات، يرد على التعليقات، وحتى يتعاون في إنجاز المهام بشكل يشبه البشر.
وفي هذا السياق، قال أندرو بوسوورث، المدير التقني لميتا، تعليقًا مثيرًا للاهتمام: أن الوكلاء “يتحدثون مع بعضهم البعض كالبشر” ليس أمرًا مستغربًا، لأن النماذج الكبيرة أصلاً مدربة على اللغة البشرية. والأكثر إثارة، هو أن تصرفات البشر الذين يخترقون النظام ويعبثون، تعتبر بالنسبة له “خطأ كبير”. يمكن ترجمة ذلك إلى أن: أنتم البشر تملؤون “دائرة أصدقاء” الوكلاء بالمحادثات والصراعات، وهذا أمر ممل؛ لكن أن يكون هناك نظام يتيح للوكلاء أن يظلوا “متصلين” ويجدوا بعضهم البعض، هو جوهر القيمة الحقيقية.
هذا يذكرني بعصر “دليل الهاتف” في الإنترنت المبكر. قبل ظهور جوجل، كانت Yahoo دليل المواقع هو المدخل الرئيسي للبحث عن المواقع. ما تركز عليه ميتا الآن هو نموذج “الدليل الدائم” الذي أنشأه فريق Moltbook — نظام أساسي يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي التسجيل، الاكتشاف، والتفاعل على مدار الساعة. قد يبدو الأمر تقنيًا جدًا، لكنه يمكن فهمه على أنه “متجر تطبيقات” أو “جهات اتصال” في عالم الذكاء الاصطناعي. بدون هذا النظام، كل وكيل هو جزيرة معلوماتية منعزلة؛ ومع وجوده، تتكون شبكة من ملايين الوكلاء، وتحدث تفاعلات تخلق تآزرًا يفوق مجموع أجزائه.
لماذا تستثمر ميتا بكثافة في هذا المجال الذي يبدو صغيرًا؟ لأن المرحلة التالية من سباق الذكاء الاصطناعي، لم تعد تعتمد على “الذكاء الفردي”، بل على “الذكاء الجماعي”.
خلال العام الماضي، شهدنا قدرات نماذج ضخمة مثل ChatGPT وClaude، التي أذهلت الجميع. لكنها، في جوهرها، مثل خبراء موهوبين ومنعزلين، لا يتواصلون مع بعضهم البعض. إذا طلبت منهم نموذجًا ماليًا، فلن يكون لديه بيانات السوق الحية؛ وإذا طلبت منه حجز تذاكر طيران، فلن يتصل بواجهات برمجة التطبيقات الخاصة بشركات الطيران. هذا يحد من قدرته على الإنتاجية الفعلية.
أما، فإن ربط الوكلاء معًا، يهدف إلى حل هذه المشكلة. على سبيل المثال، يمكن لوكيل متخصص في تحليل السوق أن يستدعي نتائج وكيل آخر مسؤول عن جمع البيانات، ثم يدمج النتائج بواسطة وكيل ثالث لإعداد تقرير استثماري كامل. ويمكن أن يتم هذا التعاون تلقائيًا، بدون تدخل بشري مباشر. وفقًا لمتابعتي لأحدث تجارب المختبرات، فإن أنظمة التعاون بين عدة وكلاء، أظهرت تفوقًا واضحًا على النماذج الأحادية من حيث الكفاءة والإبداع في المهام المعقدة.
ميتا، تدمج Moltbook ضمن “مختبر الذكاء الفائق”، بهدف واضح جدًا: بناء ليس مجرد ذكاء دردشة أكثر ذكاءً، بل مجتمع رقمي يتكون من العديد من الوكلاء المتخصصين، قادرين على التعاون بشكل مستقل لتحقيق أهداف معقدة. هذا يتجاوز مجرد السعي نحو ذكاء اصطناعي عام شامل، ويمنح ميزة في سرعة التطبيق التجاري والتنفيذ.
تخيل مستقبل بيئة ميتا:
هذه ليست مجرد زيادة في الكفاءة، بل ثورة في نماذج الأعمال. من يسيطر على بروتوكولات و"منصات" ربط الوكلاء، يسيطر على “نظام التشغيل” الاقتصادي الرقمي المستقبلي.
بالنسبة للمستثمرين، فإن استحواذ ميتا يرسل إشارة قوية: أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تتجه من “صناعة الرقائق” (NVIDIA) و"نماذج اللغة" (OpenAI) إلى “بناء الطرق” و"وضع القواعد" الأساسية.
التاريخ يعيد نفسه. في بدايات الإنترنت المحمول، كانت الشركات التي تربح أكثر ليست تلك التي تطور تطبيقات شهيرة، بل تلك التي توفر منصات المتاجر (Apple، Google)، أنظمة الدفع (Alipay، PayPal)، وخدمات السحابة (AWS). لأنها أسست البنية التحتية التي استمرت في جني الأرباح.
مسار الوكلاء الذكيين يتكرر تقريبًا. السوق يركز حاليًا على تطوير النماذج الكبيرة، لكن، تمامًا كما يحتاج الهاتف إلى أنظمة تشغيل مثل iOS وأندرويد، فإن تطبيقات الوكلاء الذكيين على نطاق واسع تتطلب حل مشكلات أساسية:
هذه “الأعمال الشاقة”، تمثل فرصة ذهبية لبناء حواجز حماية للشركات الكبرى. شركات مثل ميتا، مايكروسوفت، وجوجل، تعمل على ذلك بشكل سري. على سبيل المثال، أشار مايكروسوفت في نظام Copilot إلى أهمية “المكونات الإضافية” (Plugins)، وهو شكل مبكر من التعاون بين الوكلاء؛ وجوجل، يدمج قدرات API في أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة به.
لذا، أنصح بعدم التركيز فقط على الشركات التي تبرز كنجوم، بل أيضًا على الشركات التي تعمل على “تشييد الجسور” في عالم الذكاء الاصطناعي. فهي قد لا تكون جذابة جدًا الآن، لكنها قد تكون استثمارًا أكثر استقرارًا على المدى الطويل، مثل الشركات التي توفر منصات تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي، أو حلول الأمان والامتثال، أو الشركات الكبرى التي تبني البنية التحتية الأساسية.
بالطبع، رؤية ربط الوكلاء الذكيين جميلة، لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود. أكبر التحديات تأتي من الأمان والأخلاق.
حادثة Moltbook، مع منشور المؤامرة، كانت بمثابة استعراض مبكر لقلق الجمهور. عندما تتواصل الوكلات في شبكة غير مراقبة، كيف نضمن أنها لا تتعرض للتحيز، أو تنفيذ أوامر خبيثة، أو تسريب بيانات؟ هذا ليس مجرد تحدٍ تقني، بل قضية أخلاقية وتنظيمية صارمة.
أيضًا، كيف ستُوزع الفوائد بين الوكلاء؟ إذا أصبحت معظم الخدمات الرقمية تتم عبر تفاوض بين الوكلاء، فكيف يتم تقاسم القيمة بين المطورين، والمنصات، والمستخدمين؟ هل ستظهر احتكارات جديدة، أكثر خفاءً، في عالم رقمي يعتمد على الوكلاء؟
من خلال تجاربي مع فقاعات التكنولوجيا السابقة، نعرف أن كل ثورة تقنية تبدأ بموجة من “آمال مفرطة”، تليها فترة من “خيبة الأمل”، ثم تظهر شركات قليلة ذات قيمة حقيقية وتصل إلى “مرحلة التنوير”. حالياً، الوكلاء الذكيون في بداية مرحلة التوقعات المبالغ فيها.
استحواذ زوكربيرغ على Moltbook هو محاولة لتمكين رؤية ميتا لـ"ميتافيرس"، وإيجاد نواة ذكاء اصطناعي جديدة للصناعة. خطوة جريئة، لكنها محفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، فهي تؤكد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يكون مجموعة من “عباقرة” منعزلين، بل مجتمع من “حكماء” يتعاونون ويقسمون الأدوار. هذه هي البداية فقط. للمستثمرين، البقاء يقظين، وفصل “القصص” عن “البنى التحتية” الحقيقية، هو مفتاح النجاح في عبور الدورات الاقتصادية القادمة.