يشهد سوق الذهب حاليًا مرحلة فاصلة تحدد ما إذا كان أمام تراجع تصحيحي عميق أم تصحيح مؤقت داخل اتجاه صاعد أطول، وسط ضغوط متعددة الأبعاد تجمع بين صعود الدولار وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية وموجة بيع عام في الأسواق العالمية. وتعكس توقعات أسعار الذهب الحالية هذا الانقسام الواضح بين الضغوط قصيرة الأجل والآفاق الإيجابية على المدى المتوسط والطويل، مما يجعل المرحلة الراهنة حاسمة لفهم مسار المعدن النفيس خلال الأسابيع المقبلة.
معادلة التسعير الجديدة: كيف أعاد الدولار القوي رسم معالم السوق
يحتل الدولار الأمريكي موقعًا محوريًا في تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة الحالية، فقد ارتفع مؤشر العملة الأمريكية إلى قرب أعلى مستوياته في أسبوعين، دعومًا بتطورات سياسية ونقدية أعادت الثقة للعملة الخضراء، وفي هذا السياق يصبح الذهب أكثر عرضة للضغوط حتى دون تغيرات جوهرية في أساسياته. ويعني ارتفاع الدولار ارتفاعًا مماثلًا في تكلفة حيازة الذهب المقوّم بالدولار لدى المستثمرين من خارج الولايات المتحدة، مما يقلل من جاذبيته النسبية ويدفع نحو تقليص المراكز.
وسّع صعود الدولار تأثيره على السوق بفضل ترشيح كيفن وورش لمنصب اقتصادي بارز، وهو معروف برؤيته المتشددة نسبيًا تجاه السياسة النقدية، مما منح الدولار دفعة معنوية إضافية في الأسواق. وفي بيئة تتسم بحساسية مفرطة تجاه تحركات العملة الأمريكية، كافٍ أن يحدث تحسن نسبي في جاذبية الدولار لإعادة توجيه التدفقات الاستثمارية بعيدًا عن الذهب، خاصة وأن صعود الدولار يحدث في ظل ضعف السيولة، مما يعمّق الأثر السلبي ويجعل التحركات أكثر حدة من المعتاد.
لا ينحصر تأثير قوة الدولار على الذهب في بُعد واحد فقط، بل يتعداه إلى استعادة الدولار لدوره كملاذ نسبي مؤقت في فترات اضطراب الأسواق، مما يخلق منافسة مباشرة بينه وبين المعدن النفيس على تدفقات التحوط قصيرة الأجل، ويحد من قدرة الذهب على الحفاظ على زخمه الصاعد في المدى القريب.
لعبت التطورات الجيوسياسية الأخيرة دورًا حاسمًا في تقليص علاوة المخاطر التي كانت تدعم الذهب، حيث أعلنت الولايات المتحدة وإيران عن موافقة على عقد محادثات في سلطنة عُمان، وفسّرت الأسواق هذه الخطوة باعتبارها محاولة لاحتواء التصعيد بدلًا من توسيعه. وهذا التحول، رغم أنه قد يبدو هشًا على السطح، كان كافيًا لإعادة تسعير جزئي للمخاطر الجيوسياسية وتقليص الطلب الفوري على الملاذات الآمنة.
إلى جانب ذلك، جاءت الإشارات الإيجابية بشأن العلاقات الأمريكية–الصينية، خاصة مع الحديث عن محادثات “إيجابية” واحتمالية زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية، لتضيف عنصر تهدئة إضافيًا للأسواق. وفي مثل هذه السيناريوهات، لا يحتاج الذهب إلى أخبار سلبية مباشرة ليتراجع، بل يكفي غياب المحفزات الجيوسياسية الحادة التي تدفع المستثمرين نحو التحوط الدفاعي.
موجة البيع العام: إعادة ضبط شاملة للمحافظ الاستثمارية
لا تقتصر الضغوط على الذهب وحده، بل تشمل موجة بيع أوسع تضرب الأسواق العالمية بأسرها، حيث امتدت الخسائر إلى الأسهم الإقليمية والعملات الرقمية وحتى بعض الأصول الدفاعية. ويعكس هذا النمط فكرة أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة ضبط شاملة للمراكز بدلًا من استهدافها لأصل معين بعينه.
تتغذى هذه الموجة على مخاوف متعددة، منها القلق بشأن تكاليف الاستثمار المتزايدة في قطاع الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على هوامش الأرباح والتقييمات المرتفعة للشركات التكنولوجية. دفعت هذه المخاوف المستثمرين إلى تقليص الانكشاف عبر مختلف فئات الأصول بحثًا عن السيولة وتقليل الرافعة المالية.
يلعب ضعف السيولة دورًا جوهريًا في تضخيم حدة التحركات الأخيرة في أسواق الذهب، حيث يخلق التداول في بيئة سيولة محدودة حلقات تغذية عكسية قوية الأثر. تؤدي الخسائر في فئة أصول واحدة إلى ضغوط متزامنة في فئات أخرى، مما يجعل التحركات السعرية أقل ارتباطًا بالقيم العادلة وأكثر ارتباطًا بتدفقات قسرية.
يترتب على هذا النقص في السيولة تسارع عمليات جني الأرباح وتفعيل أوامر إيقاف الخسائر، مما يفاقم حدة التراجعات حتى في غياب محفزات جوهرية قوية حقًا. يدفع هذا الوضع المستثمرين إلى اعتماد نهج دفاعي قصير الأجل قائم على تقليل الانكشاف بدلًا من إعادة بناء المراكز. وعلى المدى القريب، يعني ذلك أن الذهب سيبقى عرضة لتحركات حادة في الاتجاهين إلى أن تستعيد الأسواق توازنها النسبي.
التحليل الفني: اختبارات حاسمة ومستويات محورية
دخل الذهب جلسة الأسبوع الماضي في مرحلة فنية أكثر حساسية، بعد الانتقال من حالة “الارتداد العنيف” إلى اختبار حقيقي لمناطق إعادة التسعير العميقة، وهي واحدة من أعنف الحركات الانهيارية والارتدادية المتتابعة منذ الأزمة المالية العالمية.
يتحرك المعدن النفيس حاليًا داخل نطاق تماسك مضغوط على إطار الساعتين، يعكس صراعًا واضحًا بين محاولات استعادة الاتجاه الصاعد وضغوط إعادة ضبط المراكز. يقترب السعر من منطقة 4,950 - 5,100 دولار، التي تمثل “عنق الانهيار” السابق ومنطقة صراع محورية، إذ يعتبر الاستقرار أعلى هذا النطاق شرطًا أساسيًا لتحويل الارتداد إلى مسار صاعد أكثر استدامة.
تبرز منطقة 5,320 دولارًا كمقاومة فنية تالية ناتجة عن اختراق سابق تحوّل إلى حاجز عرضي. في المقابل، يظل مستوى 4,600 دولار دعمًا نفسيًا وفنيًا بالغ الأهمية، يليه نطاق 4,400 - 4,300 دولار الذي يمثل القاع الحالي وصمام الأمان للاتجاه متوسط إلى طويل الأجل.
مؤشرات الزخم والدعم الفني
يعكس مؤشر الماكد تحسنًا تدريجيًا في هيكل الزخم عقب صدمة الانهيار، حيث بدأت الأعمدة الحمراء في الانكماش بوضوح، مع تشكّل تقاطع إيجابي مبكر بين خط الماكد وخط الإشارة. هذا السلوك يشير إلى عودة الطلب الشرائي بشكل انتقائي، لكنه لا يزال يحتاج إلى تأكيد عبر اختراقات سعرية فعلية أعلى المقاومة الحالية.
استقر مؤشر القوة النسبية قرب مستوى 48 بعد الهبوط الحاد من مستويات تشبع شرائي متطرف فوق 80، مما يشير إلى خروج السوق من حالة الاختلال السعري وبداية بناء قاعدة سعرية أكثر توازنًا. يعكس هذا التمركز المحايد غياب سيطرة واضحة لأي من الطرفين، مما يجعل الحركة القادمة مرهونة باختراق أو كسر المستويات المحورية.
يبقى السيناريو المفضل فنيًا هو انتظار استقرار السعر أعلى نطاق 4,950 - 5,100 دولار قبل الاعتماد على استكمال الصعود، إذ إن نجاح الذهب في تحويل هذه المنطقة إلى دعم قد يفتح الطريق نحو 5,320 دولار ثم إعادة اختبار القمة التاريخية على مراحل متعددة.
أما في حالة فشل السعر في اختراق هذه المنطقة وظهور ضغوط بيعية جديدة، فسيكون نطاق 4,600 - 4,400 دولار منطقة إعادة تقييم محورية وحاسمة، حيث يُتوقع أن يلعب دور الحاجز الدفاعي الأخير قبل أي تغيير أعمق في هيكل الاتجاه طويل الأجل.
المستويات الفنية المهمة:
المستوى
الدلالة
5,450 دولار
مقاومة ثانوية قوية
5,320 دولار
مقاومة رئيسية
5,100 دولار
مقاومة ضعيفة/دعم متوسط
4,950 دولار
دعم حاسم
4,750 دولار
دعم متوسط
4,600 دولار
دعم نفسي قوي
4,460 دولار
دعم أخير
توقعات أسعار الذهب من المؤسسات المالية: رؤى متباينة لكن متفائلة
رغم الضغوط قصيرة الأجل، تحافظ المؤسسات المالية الكبرى على رؤى إيجابية حول مسار الذهب خلال 2026، مع اختلافات في أهداف الأسعار تعكس درجات متفاوتة من التفاؤل.
أبقى بنك جيه بي مورغان على توقعاته الطموحة، حيث يتوقع وصول سعر الذهب إلى نحو 6,300 دولار للأونصة بنهاية 2026، مستندًا إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار الأمريكي. يشير البنك إلى أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية قد يقترب من 800 طن سنويًا، مما يوفر دعمًا هيكليًا للأسعار.
بنبرة أقل تفاؤلًا ولكنها داعمة للاتجاه الصاعد، يتوقع بنك يو بي إس أن يتحرك الذهب نحو نطاق 6,100-6,200 دولار في مراحل لاحقة من 2026، مشيرًا إلى أن فترات التراجع الحالية تمثل تصحيحات طبيعية داخل اتجاه صاعد رئيسي، وليست انعكاسًا هيكليًا.
من جهته، يرى دويتشه بنك أن الذهب قد يستهدف مستويات تقارب 6,000 دولار بنهاية العام، مدفوعًا بالطلب المؤسسي المستمر والتحوط من مخاطر تباطؤ النمو العالمي.
على المدى الأقصر والنطاق التكتيكي، تشير تقديرات محللين مستقلين وبنوك إقليمية إلى أن الذهب قد يتحرك ضمن نطاقات أوسع نسبيًا، تتراوح بين 4,800 و5,400 دولار للأونصة خلال الأسابيع المقبلة، مع اعتماد الاتجاه داخل هذا النطاق على عوامل ثلاثة أساسية: مسار الدولار الأمريكي، ونتائج قرارات السياسة النقدية، ودرجة استقرار شهية المخاطرة العالمية.
العوامل الاقتصادية المقبلة: مفاتيح تحديد المسار
تعتبر عدة أحداث اقتصادية محورية مقبلة ذات تأثير محتمل على توقعات أسعار الذهب خلال الفترة القادمة:
قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة: يعتبر أي ميل أكثر حذرًا أو إشارات لاحتمال خفض الفائدة لاحقًا عاملًا داعمًا للذهب عبر إضعاف الجنيه وتعزيز الطلب التحوطي.
بيانات إعانات البطالة الأمريكية: تمثل اختبارًا مهمًا لمرونة سوق العمل الأمريكي، وأي ارتفاع غير متوقع قد يعزز رهانات التباطؤ الاقتصادي ويضغط على الدولار، مما ينعكس إيجابيًا على الذهب.
قرارات البنك المركزي الأوروبي: إعلان الفائدة الأوروبية والبيان السياسي قد يؤثران على اليورو وعوائد السندات، حيث قد تزيد النبرة الحذرة من الطلب على الذهب كأداة تحوط.
الخلاصة: رؤية متوازنة لسوق الذهب
تشهد توقعات أسعار الذهب انقسامًا واضحًا بين الضغوط قصيرة الأجل والرؤية الإيجابية على المدى المتوسط والطويل، فالمرحلة الحالية أقرب إلى إعادة تسعير وتصحيح مرحلي داخل اتجاه صاعد طويل الأجل، وليست انعكاسًا هيكليًا حقيقيًا للمسار.
بقيت الأسس الهيكلية الداعمة للذهب قائمة طوال 2026، من مشتريات البنوك المركزية إلى القلق بشأن التضخم وتآكل قيمة العملات الورقية. غير أن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة إعادة ضبط للمحافظ تتطلب صبرًا وانتظار تأكيدات فنية قبل الاعتماد على استكمال الصعود.
للمتداولين والمستثمرين، الرسالة واضحة: المرحلة الحالية حاسمة وقد تحدد معالم النصف الأول من 2026، ولا سيما في ظل حساسية الأسواق العالية تجاه تطورات الدولار والسياسة النقدية والأوضاع الجيوسياسية. يجب الانتظار لتأكيدات فنية واضحة قبل بناء مراكز طويلة الأجل، مع الحذر من التحركات الحادة التي قد تفاقمها حلقات السيولة المحدودة.
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
توقعات أسعار الذهب في فبراير: سيناريوهات التصحيح والصعود بين قوة الدولار والمخاطر الجيوسياسية
يشهد سوق الذهب حاليًا مرحلة فاصلة تحدد ما إذا كان أمام تراجع تصحيحي عميق أم تصحيح مؤقت داخل اتجاه صاعد أطول، وسط ضغوط متعددة الأبعاد تجمع بين صعود الدولار وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية وموجة بيع عام في الأسواق العالمية. وتعكس توقعات أسعار الذهب الحالية هذا الانقسام الواضح بين الضغوط قصيرة الأجل والآفاق الإيجابية على المدى المتوسط والطويل، مما يجعل المرحلة الراهنة حاسمة لفهم مسار المعدن النفيس خلال الأسابيع المقبلة.
معادلة التسعير الجديدة: كيف أعاد الدولار القوي رسم معالم السوق
يحتل الدولار الأمريكي موقعًا محوريًا في تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة الحالية، فقد ارتفع مؤشر العملة الأمريكية إلى قرب أعلى مستوياته في أسبوعين، دعومًا بتطورات سياسية ونقدية أعادت الثقة للعملة الخضراء، وفي هذا السياق يصبح الذهب أكثر عرضة للضغوط حتى دون تغيرات جوهرية في أساسياته. ويعني ارتفاع الدولار ارتفاعًا مماثلًا في تكلفة حيازة الذهب المقوّم بالدولار لدى المستثمرين من خارج الولايات المتحدة، مما يقلل من جاذبيته النسبية ويدفع نحو تقليص المراكز.
وسّع صعود الدولار تأثيره على السوق بفضل ترشيح كيفن وورش لمنصب اقتصادي بارز، وهو معروف برؤيته المتشددة نسبيًا تجاه السياسة النقدية، مما منح الدولار دفعة معنوية إضافية في الأسواق. وفي بيئة تتسم بحساسية مفرطة تجاه تحركات العملة الأمريكية، كافٍ أن يحدث تحسن نسبي في جاذبية الدولار لإعادة توجيه التدفقات الاستثمارية بعيدًا عن الذهب، خاصة وأن صعود الدولار يحدث في ظل ضعف السيولة، مما يعمّق الأثر السلبي ويجعل التحركات أكثر حدة من المعتاد.
لا ينحصر تأثير قوة الدولار على الذهب في بُعد واحد فقط، بل يتعداه إلى استعادة الدولار لدوره كملاذ نسبي مؤقت في فترات اضطراب الأسواق، مما يخلق منافسة مباشرة بينه وبين المعدن النفيس على تدفقات التحوط قصيرة الأجل، ويحد من قدرة الذهب على الحفاظ على زخمه الصاعد في المدى القريب.
تخفيف علاوة المخاطر: التطورات الجيوسياسية تهبط الأمل
لعبت التطورات الجيوسياسية الأخيرة دورًا حاسمًا في تقليص علاوة المخاطر التي كانت تدعم الذهب، حيث أعلنت الولايات المتحدة وإيران عن موافقة على عقد محادثات في سلطنة عُمان، وفسّرت الأسواق هذه الخطوة باعتبارها محاولة لاحتواء التصعيد بدلًا من توسيعه. وهذا التحول، رغم أنه قد يبدو هشًا على السطح، كان كافيًا لإعادة تسعير جزئي للمخاطر الجيوسياسية وتقليص الطلب الفوري على الملاذات الآمنة.
إلى جانب ذلك، جاءت الإشارات الإيجابية بشأن العلاقات الأمريكية–الصينية، خاصة مع الحديث عن محادثات “إيجابية” واحتمالية زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية، لتضيف عنصر تهدئة إضافيًا للأسواق. وفي مثل هذه السيناريوهات، لا يحتاج الذهب إلى أخبار سلبية مباشرة ليتراجع، بل يكفي غياب المحفزات الجيوسياسية الحادة التي تدفع المستثمرين نحو التحوط الدفاعي.
موجة البيع العام: إعادة ضبط شاملة للمحافظ الاستثمارية
لا تقتصر الضغوط على الذهب وحده، بل تشمل موجة بيع أوسع تضرب الأسواق العالمية بأسرها، حيث امتدت الخسائر إلى الأسهم الإقليمية والعملات الرقمية وحتى بعض الأصول الدفاعية. ويعكس هذا النمط فكرة أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة ضبط شاملة للمراكز بدلًا من استهدافها لأصل معين بعينه.
تتغذى هذه الموجة على مخاوف متعددة، منها القلق بشأن تكاليف الاستثمار المتزايدة في قطاع الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على هوامش الأرباح والتقييمات المرتفعة للشركات التكنولوجية. دفعت هذه المخاوف المستثمرين إلى تقليص الانكشاف عبر مختلف فئات الأصول بحثًا عن السيولة وتقليل الرافعة المالية.
السيولة المحدودة: مضخم للتقلبات وحلقات التغذية العكسية
يلعب ضعف السيولة دورًا جوهريًا في تضخيم حدة التحركات الأخيرة في أسواق الذهب، حيث يخلق التداول في بيئة سيولة محدودة حلقات تغذية عكسية قوية الأثر. تؤدي الخسائر في فئة أصول واحدة إلى ضغوط متزامنة في فئات أخرى، مما يجعل التحركات السعرية أقل ارتباطًا بالقيم العادلة وأكثر ارتباطًا بتدفقات قسرية.
يترتب على هذا النقص في السيولة تسارع عمليات جني الأرباح وتفعيل أوامر إيقاف الخسائر، مما يفاقم حدة التراجعات حتى في غياب محفزات جوهرية قوية حقًا. يدفع هذا الوضع المستثمرين إلى اعتماد نهج دفاعي قصير الأجل قائم على تقليل الانكشاف بدلًا من إعادة بناء المراكز. وعلى المدى القريب، يعني ذلك أن الذهب سيبقى عرضة لتحركات حادة في الاتجاهين إلى أن تستعيد الأسواق توازنها النسبي.
التحليل الفني: اختبارات حاسمة ومستويات محورية
دخل الذهب جلسة الأسبوع الماضي في مرحلة فنية أكثر حساسية، بعد الانتقال من حالة “الارتداد العنيف” إلى اختبار حقيقي لمناطق إعادة التسعير العميقة، وهي واحدة من أعنف الحركات الانهيارية والارتدادية المتتابعة منذ الأزمة المالية العالمية.
يتحرك المعدن النفيس حاليًا داخل نطاق تماسك مضغوط على إطار الساعتين، يعكس صراعًا واضحًا بين محاولات استعادة الاتجاه الصاعد وضغوط إعادة ضبط المراكز. يقترب السعر من منطقة 4,950 - 5,100 دولار، التي تمثل “عنق الانهيار” السابق ومنطقة صراع محورية، إذ يعتبر الاستقرار أعلى هذا النطاق شرطًا أساسيًا لتحويل الارتداد إلى مسار صاعد أكثر استدامة.
تبرز منطقة 5,320 دولارًا كمقاومة فنية تالية ناتجة عن اختراق سابق تحوّل إلى حاجز عرضي. في المقابل، يظل مستوى 4,600 دولار دعمًا نفسيًا وفنيًا بالغ الأهمية، يليه نطاق 4,400 - 4,300 دولار الذي يمثل القاع الحالي وصمام الأمان للاتجاه متوسط إلى طويل الأجل.
مؤشرات الزخم والدعم الفني
يعكس مؤشر الماكد تحسنًا تدريجيًا في هيكل الزخم عقب صدمة الانهيار، حيث بدأت الأعمدة الحمراء في الانكماش بوضوح، مع تشكّل تقاطع إيجابي مبكر بين خط الماكد وخط الإشارة. هذا السلوك يشير إلى عودة الطلب الشرائي بشكل انتقائي، لكنه لا يزال يحتاج إلى تأكيد عبر اختراقات سعرية فعلية أعلى المقاومة الحالية.
استقر مؤشر القوة النسبية قرب مستوى 48 بعد الهبوط الحاد من مستويات تشبع شرائي متطرف فوق 80، مما يشير إلى خروج السوق من حالة الاختلال السعري وبداية بناء قاعدة سعرية أكثر توازنًا. يعكس هذا التمركز المحايد غياب سيطرة واضحة لأي من الطرفين، مما يجعل الحركة القادمة مرهونة باختراق أو كسر المستويات المحورية.
استراتيجية التداول: السيناريوهات المحتملة والمستويات الحاسمة
يبقى السيناريو المفضل فنيًا هو انتظار استقرار السعر أعلى نطاق 4,950 - 5,100 دولار قبل الاعتماد على استكمال الصعود، إذ إن نجاح الذهب في تحويل هذه المنطقة إلى دعم قد يفتح الطريق نحو 5,320 دولار ثم إعادة اختبار القمة التاريخية على مراحل متعددة.
أما في حالة فشل السعر في اختراق هذه المنطقة وظهور ضغوط بيعية جديدة، فسيكون نطاق 4,600 - 4,400 دولار منطقة إعادة تقييم محورية وحاسمة، حيث يُتوقع أن يلعب دور الحاجز الدفاعي الأخير قبل أي تغيير أعمق في هيكل الاتجاه طويل الأجل.
المستويات الفنية المهمة:
توقعات أسعار الذهب من المؤسسات المالية: رؤى متباينة لكن متفائلة
رغم الضغوط قصيرة الأجل، تحافظ المؤسسات المالية الكبرى على رؤى إيجابية حول مسار الذهب خلال 2026، مع اختلافات في أهداف الأسعار تعكس درجات متفاوتة من التفاؤل.
أبقى بنك جيه بي مورغان على توقعاته الطموحة، حيث يتوقع وصول سعر الذهب إلى نحو 6,300 دولار للأونصة بنهاية 2026، مستندًا إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار الأمريكي. يشير البنك إلى أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية قد يقترب من 800 طن سنويًا، مما يوفر دعمًا هيكليًا للأسعار.
بنبرة أقل تفاؤلًا ولكنها داعمة للاتجاه الصاعد، يتوقع بنك يو بي إس أن يتحرك الذهب نحو نطاق 6,100-6,200 دولار في مراحل لاحقة من 2026، مشيرًا إلى أن فترات التراجع الحالية تمثل تصحيحات طبيعية داخل اتجاه صاعد رئيسي، وليست انعكاسًا هيكليًا.
من جهته، يرى دويتشه بنك أن الذهب قد يستهدف مستويات تقارب 6,000 دولار بنهاية العام، مدفوعًا بالطلب المؤسسي المستمر والتحوط من مخاطر تباطؤ النمو العالمي.
على المدى الأقصر والنطاق التكتيكي، تشير تقديرات محللين مستقلين وبنوك إقليمية إلى أن الذهب قد يتحرك ضمن نطاقات أوسع نسبيًا، تتراوح بين 4,800 و5,400 دولار للأونصة خلال الأسابيع المقبلة، مع اعتماد الاتجاه داخل هذا النطاق على عوامل ثلاثة أساسية: مسار الدولار الأمريكي، ونتائج قرارات السياسة النقدية، ودرجة استقرار شهية المخاطرة العالمية.
العوامل الاقتصادية المقبلة: مفاتيح تحديد المسار
تعتبر عدة أحداث اقتصادية محورية مقبلة ذات تأثير محتمل على توقعات أسعار الذهب خلال الفترة القادمة:
قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة: يعتبر أي ميل أكثر حذرًا أو إشارات لاحتمال خفض الفائدة لاحقًا عاملًا داعمًا للذهب عبر إضعاف الجنيه وتعزيز الطلب التحوطي.
بيانات إعانات البطالة الأمريكية: تمثل اختبارًا مهمًا لمرونة سوق العمل الأمريكي، وأي ارتفاع غير متوقع قد يعزز رهانات التباطؤ الاقتصادي ويضغط على الدولار، مما ينعكس إيجابيًا على الذهب.
قرارات البنك المركزي الأوروبي: إعلان الفائدة الأوروبية والبيان السياسي قد يؤثران على اليورو وعوائد السندات، حيث قد تزيد النبرة الحذرة من الطلب على الذهب كأداة تحوط.
الخلاصة: رؤية متوازنة لسوق الذهب
تشهد توقعات أسعار الذهب انقسامًا واضحًا بين الضغوط قصيرة الأجل والرؤية الإيجابية على المدى المتوسط والطويل، فالمرحلة الحالية أقرب إلى إعادة تسعير وتصحيح مرحلي داخل اتجاه صاعد طويل الأجل، وليست انعكاسًا هيكليًا حقيقيًا للمسار.
بقيت الأسس الهيكلية الداعمة للذهب قائمة طوال 2026، من مشتريات البنوك المركزية إلى القلق بشأن التضخم وتآكل قيمة العملات الورقية. غير أن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة إعادة ضبط للمحافظ تتطلب صبرًا وانتظار تأكيدات فنية قبل الاعتماد على استكمال الصعود.
للمتداولين والمستثمرين، الرسالة واضحة: المرحلة الحالية حاسمة وقد تحدد معالم النصف الأول من 2026، ولا سيما في ظل حساسية الأسواق العالية تجاه تطورات الدولار والسياسة النقدية والأوضاع الجيوسياسية. يجب الانتظار لتأكيدات فنية واضحة قبل بناء مراكز طويلة الأجل، مع الحذر من التحركات الحادة التي قد تفاقمها حلقات السيولة المحدودة.